السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

89

مفاتيح الأصول

فإنّه يحتمل أن يكون منقولا إلى معنى خاص وهو الصّحيح شرعا ويحتمل أن يكون باقيا على معناه وأن ما اعتبره الشارع فيه من شروطه فيكون ما دلّ عليه مقيّدا لإطلاقه ومخصّصا له كان التخصيص أولى كما صرّح به في التهذيب قال لأنه أجود من المجاز والمجاز أولى من النقل وهو جيد والمراد بالتخصيص هنا أيضا الأعم من التقييد ولو بلغ التخصيص حدا يخرج معه أكثر الأفراد فلا يبعد ترجيح النّقل حينئذ وهل يلحق به التقييد إذا كان كذلك فيه إشكال مفتاح إذا تعارض التخصيص والمجاز الراجح المساوي احتماله لاحتمال الحقيقة ودار الأمر بينهما كما إذا ورد عن الصادقين عليهما السلام نحو لا يجب إكرام العلماء وأكرم زيدا العالم وقلنا بأن الأمر في أخبارهما عليهما السلام شاع استعماله في النّدب بحيث صار من المجازات الرّاجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة ففي الترجيح إشكال والتحقيق في المثال المفروض أن يقال إن قلنا بالتوقف فيما إذا دار الأمر بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الرّاجح كما هو التحقيق وعليه جماعة فلا إشكال في لزوم العمل بالعام على القول بأن الشرط فيه عدم ظهور المخصّص لوجود الشرط حينئذ ولا يكون حينئذ دوران كما لا يخفى وإن قلنا بأن الشّرط فيه ظهور عدم المخصّص فلا يجوز العمل به في مورد الشك ويكون الخطابان مجملين فينبغي الرّجوع إلى ما يقتضيه الأصول وإن قلنا برجحان المجاز الرّاجح فيما إذا دار الأمر بين الأمرين كما عليه بعض فكذلك يجب العمل بالعموم بلا إشكال لعدم وجود المعارض له حينئذ ولا يكون حينئذ دوران أيضا كما لا يخفى وإن قلنا بتقديم الحقيقة المرجوحة فيما إذا دار الأمر بين الأمرين كما عليه بعض فيحصل الدّوران بين التخصيص والمجاز الراجح بلا إشكال وإنما الإشكال في التّرجيح واحتمال أولوية المجاز الراجح حينئذ في غاية القوة ولا يبعد ترجيحه ودعوى إرادته على القول الأوّل وهو القول بالتوقف فيما إذا دار الأمر بين الأمرين فتأمل مفتاح إذا تعارض التخصيص والنسخ ودار الأمر بينهما كما إذا قال لا تكرم زيدا العالم ثم قال بعد مدّة أكرم العلماء فإنه يحتمل أن يكون قوله الأخير ناسخا للقول الأوّل ويحتمل أن يكون مخصّصا به كان التخصيص أولى كما يظهر من المعظم والحجّة فيه أمران الأوّل أن التخصيص أغلب من النسخ فيكون أولى منه أمّا الأوّل فظاهر وقد صرّح به في المعالم والفوائد والمختصر وشرحه للعضدي وأما الثاني فلأنه إذا كان أغلب يكون مظنونا كما أشار إليه العضدي فقال إنّه أغلب وأكثر والإلحاق بالأغلب أغلب على الظن كمن دخل مدينة أغلبها المسلمون فإن من يراه يظنه مسلما وإن جاز خلافه انتهى فيجب الأخذ به لا يقال لا نسلَّم أن التخصيص أغلب مطلقا بل قد يكون النسخ أغلب كما في المثال المفروض ولذا يفهم عرفا منه النسخ سلمنا ولكن لا نسلَّم حجيّة الظنّ المستفاد من الغلبة في المقام كما يظهر من بعض المحققين لأنا نقول عدم تسليم ذلك لا وجه له والفهم العرفي المدعى ممنوع على أنا نقول كل من قدّم التخصيص قدمه مطلقا ولم يفصّل فالتفصيل خرق الإجماع المركب ومعارضة هذا بمثله لو سلَّمت مدفوعة بأن الترجيح مع الأوّل لمصير المعظم إليه فتأمل وأما منع حجيّة الظن الحاصل من الغلبة ففي غاية الضعف كما لا يخفى ولا يقال النّسخ قسم من التخصيص فلا معنى لدعوى مرجوحيته كما أشار إليه في النهاية فقال إنّه على تقدير تأخر العام عن وقت العمل بالخاص يكون نسخا لا إلغاء للخاص إذ قد عمل به أولا وكان تخصيصا في أزمانه وليس التخصيص في أعيان العام أولى من التخصيص في أزمان الخاص لأنا نقول بدفع هذا ما أشار إليه في المعالم في مقام دفع ما نقلناه عن النهاية فقال ضعفه ظاهر لأن مرجوحية النسخ بالنّسبة إلى التخصيص بالمعنى المعروف لا مساغ إلى إنكاره ومجرّد الاشتراك في مسمّى التخصيص نظرا إلى المعنى لا يقتضي المساواة كيف وقد بلغ التخصيص في الكثرة والشيوع إلى حدّ قيل معه ما من عام إلَّا وقد خصّ الثاني ما تمسك به جماعة من أن التخصيص أهون من النسخ فيكون أرجح أما الأوّل فلوجوه الأوّل أنّه مما صرّح به في النهاية والمعالم والفوائد والمحصول والمنهاج والمختصر وشرحه للعضدي الثاني ما أشار إليه الفاضل الشّيرواني فقال وكونه النسخ إنما هو أهون أنواعه لندرته وكونه أبعد وجوه خلاف الظاهر الثالث ما ذكره جماعة من أن النّسخ رفع والتخصيص لا رفع فيه وإنما هو دفع والدّفع أهون من الرفع وذلك لأن دفع وقوع الشّيء هو المنع من إحداثه والحدوث ضعيف لاحتياجه إلى المؤثر وأمّا الرّفع فهو إبطال استدامة الشيء وبقاؤه والبقاء قوي لاستغنائه عن العلَّة ولذا نرى العقلاء يفرقون بين الأمرين تفريقا بيّنا الرّابع ما ذكره جدي رحمه الله من أن النّسخ مخالف للأصل والتخصيص موافق له فيكون الثاني أهون ولعلَّه أشار بذلك إلى ما ذكره بعض فقال لما كان الباقي غير محتاج إلى تأثير كفي في بقاء عدم حدوث ما يضادّه ويمانعه وهو الأصل بخلاف الحادث فإنه لولا الحادث الموجب له لكان منقبا فكان خلاف الأصل فرفع الباقي مخالف للأصل وعليه مبني النسخ وتخصيص العام يبتني على عدم حدوث الحادث وهو موافقته انتهى الخامس ما حكي عن الرازي فقال في مقام ترجيح التخصيص لاحتياطهم في النّسخ دون التخصيص ولهذا جوّزوا تخصيص العام بخبر الواحد دون النسخ والأصل فيه أن الخطاب بعد النسخ يصير كالباطل بخلاف التخصيص انتهى وأمّا الثاني فلحكم العقل بلزوم ارتكاب أقلّ القبيحين وارتكاب أهون المحذورين عند التّعارض وفي هذه الحجة نظر للمنع من كون التخصيص أهون بل يستفاد من المحكي عن المرتضى خلاف ذلك حيث قال لقائل أن يقول رفع الكل بعد العمل به أهون من رفع البعض قبل العمل به والنّسخ أهون بهذا الاعتبار من التخصيص انتهى وأمّا الوجوه المذكورة فقد يناقش في جميعها أمّا في الأوّل